المنزل والعائلة
المنزل والعائلة
.
.

المستقبل للنساء

 لابد أولاً من تأكيد القول بأن الذين يقمعون المرأة ويضطهدونها وينظرون إليها نظرة دونية إنما هم في حقيقة الأمر يخافونها، وإنْ بشكل لا واعٍ، ويشعرون بالنقص إزاءها، ويخشون فقدان سلطتهم الزائفة التي يمارسونها ضدها. والمرأة في الأحوال كلها، والظروف كلها، حتى غير المؤاتية منها، تملك من الطاقات والسبل والذكاء القدر الكافي الذي يعينها على خلق توازن ما، أو ممارسة سلطتها الخاصة خفية، أو بوضوح، في محيطها. وعلى الرغم من تعرضها إلى اضطهاد مركّب فإنها كانت قادرة في معظم الأحوال، على حفظ كيان المجتمع عبر حفظ كيان أسرتها في المحن والشدائد، والأمثلة التي يمكن أن نسوقها لا تعد ولا تحصى في عراقنا المكلوم، سواء في ظل الحروب وسياسات الحصار أو مع فقدان الأمن وانتشار الفقر وأشكال الحرمان. وهذا لا يعني قطعاً إنكار حقيقة أنه كان لمعظم الرجال دورهم أيضاً في هذا، ولكن ليس من غير مشاركة النساء.

من يرجع إلى نتائج الامتحانات العامة (البكالوريا) للسنوات العشر الماضية، في سبيل المثال، يجد نسبة تفوق محسوسة للبنات على البنين. وينطبق الأمر كذلك على امتحانات الصفوف غير المنتهية. واليوم يشكو لك كثر من الآباء من أن أولادهم الذكور غير ميالين للجد والاجتهاد في الدراسة والتحصيل العلمي على عكس الإناث اللواتي يذاكرن بإفراط أحياناً، ويحزن أعلى الدرجات.. ويخبرك مدرسون عديدون من الذين يدرِّسون في مدارس بنين وبنات أو في مدارس مختلطة الكلام نفسه، فجدّية البنات تتجاوز جدّية الأولاد في أحايين كثيرة. وإذا ما استمر الأمرهكذا فإن أعداد الفتيات الحاصلات على الشهادات الجامعية الأولية وشهادات الدراسات العليا ستفوق أعداد الذكور في السنوات والعقود اللاحقة. وستكون نسبة النساء أعلى من نسبة الرجال في مجتمع المعرفة والمعلوماتية والتكنوقراط. وهو ما نحن مقبلون عليه حتماً بحكم مسارات التطور حتى تكون لنا مكانة مميزة بين الشعوب المتمدنة. وإذا ما عرفنا أن مجتمعات الحاضر (وخصوصاً المستقبل) هي مجتمعات التقانة والمعلومات والحكومات الإلكترونية يكون من المنطقي أن نفترض أن النساء سرعان ما يمسكن بإدارة وتسيير تلك المجتمعات وتلك الحكومات طالما كنَّ الأحرص في الدراسة، والأفضل في التحصيل.
بالمقابل لا يمكن نسيان حقيقة أن نسبة عالية من البنات ولاسيما في الريف والبلدات الصغيرة يُجبرن على ترك الدراسة مبكراً بعد إنهاء المرحلة الابتدائية. أو لا يحظين بدخولها أبداً. وثمة نسبة أخرى منهن يُحرمن من الدراسة الجامعية على الرغم من حصولهن على مقاعد فيها بسبب محدودية دخول عائلاتهن وخاصة إذا كان هناك أكثر من طالب جامعي فيها (هنا تجري التضحية بمستقبل البنت) أو بسبب الظرف الأمني في مناطق بعينها. وثمة ظاهرة أخرى آخذة بالتوسع الآن وخلاصتها ترك الطالبات الدراسة فور زواجهن لأن أزواجهن لا يرغبون في أن تكون شهادة زوجاتهم أعلى مما عندهم، أو لا يرون جدوى من الدراسة إذا ما كانوا من ميسوري الحال. وفي هذا نزف للطاقات لا يعوّض.
صحيح أن النساء أقل ميلاً من الرجال نحو السياسة وتحمّل أعبائها وولوج دروبها الملتوية. ولكن من قال أن قواعد وتقاليد السياسة بشكلها الحالي ستبقى هي السائدة.. إن تطور أساليب الإدارة وتقنياتها تجعل منها علماً محضاً ربما لا تكون، مستقبلاً، بحاجة لطرق السياسيين مثلما نعرفها، اليوم، في نطاق إدارة موارد المجتمعات وتنميتها لتحقيق المصلحة العامة التي تتحقق دوماً، أو في الغالب، في المجتمعات البطريركية (الأبوية) المستبدة. أي أن تركيبة السلطة ومحتواها وآلياتها ستتغير مع تغير الحقائق على الأرض.
أيتها البنات، أيتها النساء الشابات؛ المستقبل أمامكن، واحتمال أن تكون سلطة مجتمع الغد لكنَّ كبير جداً فلا مكان في إدارة مجتمع الغد إلا للكفاءات العلمية والمعرفية والإبداعية وأنتن تثبتن من خلال التحصيل والتفوق العلمي بأنكن جديرات شغل المراكز الرئيسة في تلك الإدارة.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.